جيرار جهامي ، سميح دغيم
2461
الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )
صفحاته ، لم تعد تزيد صفحة ولا تنقص صفحة ، وعلى القارئ أن يتلوه من فاتحته إلى ختامه أو أن يكفّ عنه من غلافه إلى غلافه . ولكن أمر الماضي ليس كذلك ، فأولا - إنه ليس باختيارنا أن نأخذ ماضينا أو نتركه ، لأن هذا الماضي إنما هو ماض لحاضر ، ولو بترنا العلاقة بينهما لما جاز لنا بعد ذلك أن نسمّي الماضي ماضيا ، بل يصبح مجموعة من أحداث عائمة على تيّار الزمن ، دون أن تربطها الروابط بهذه الأمّة أو بتلك ، لكن ماضينا هو ماضينا نحن ، موصول الحلقات بالحاضر الذي نعيشه نحن ، ولكل شعب آخر ماضيه وحاضره . . . . وثانيا - إن ماضينا كالسّجادة المزخرفة بالصور المتشابكة ، ويدخل في نسيجها عدد ضخم من خيوط اللحمة وخيوط السدى ، تقاطع بعضها مع بعض ، وإذن فلا بدّ للرائي أن يختار لنفسه من هذا الكل المركّب ، خطّا واحدا لتعقبه ، كأن يختار خط النباتات المصوّرة على الرقعة ، أو خط الحيوان ، أو خط الأشكال الهندسية ، وما شابه ذلك . ( زكي نجيب محمود ، مجتمع جديد ، 69 ، 17 ) . * تعليق * في التاريخ - هل الماضي مفصول عن الحاضر ؟ ما معنى أن نقول ماض ، هل هو مجرّد خارج عن الإنسان ومستقلّ عنه ؟ هناك نظرتان للمسألة : - النظرة الموضوعية والتي تقيم فصلا مطلقا بين الاثنين ، كالنظرة إلى الماضي من زاوية منهجيّة تقنية كأحداث لا دخل لنا بها ونحن نقوم اليوم بمراقبتها بكل حياديّة . - وهناك نظرة أخرى ترى أن الماضي في جزء كبير منه متواصل في حاضرنا ومعه . نذكر هنا نشوء علوم جديدة تدرس الإنسان وتفسيره ببعض ماضيه ، وهو ما نراه في علم الأنثروبولوجيا ، أو علم الأناسة ، الذي يحاول أن يفسّر الكثير من السلوكات الحاضرة كامتداد للبنية التي كنا عليها في السابق . لذلك ركّزت الانثروبولوجيا دراساتها على المجتمعات في العصر الحاضر ، في محاولة منها لتفسير بعض مظاهر السلوك عند بعض الشعوب اليوم . * في الفكر الحديث والمعاصر - الماضي أمر نسبي يكبر ويعظم بنسبة ويصغر ويتحجّم بنسبة . فالماضي مادة تستند إليها وأنت تضفي عليه إسقاطات تكبّره أو تصغّره . وهذا يعني أن الإسقاطات ( بين حاضر ومستقبل ) هي التي تحدّد هذا الماضي وتبني مقاديره . فالماضي مهمّ بالنسبة إلى الحاضر ، وأهمّيته في أنه يرفد الحاضر بزخم وقوّة إذا ما كان الحاضر نشطا وقويّا . فإذا كنّا أقوياء ونشطاء فإن إسقاطاتنا على الماضي ستكون كذلك ، وستؤدّي إلى الكشف عن مكامن القوة في الماضي لا استراجعه كماض فقط . إن الماضي ليس جامدا إذا بفحواه ومضامينه ، ليس كمّا قد اكتمل وأقفل عليه ، إنه مجال لحاضر يعمل من خلاله وبمقدار ما يحمل هذا الحاضر من شحنات نشاط واجتهاد . فالماضي إذا عزل عن الحاضر